❗خاص ❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
تبدو الساعات السياسية في تل أبيب ثقيلة، والزمن لم يعد حليف بنيامين نتنياهو. فالرجل الذي حكم إسرائيل لسنوات طويلة يقف اليوم على حافة الانهيار، ومصيره السياسي بات مرتبطاً بثلاثة عوامل حاسمة: إرادة ترامب، ضغط المقاومة، وسخط الداخل الإسرائيلي. وبناء على مجريات الأحداث، فإن البحث عن "خليفة" لنتنياهو لم يعد سراً، بل بدأ فعلياً في دهاليز واشنطن وتل أبيب.
أولاً: توافق أمريكي إسرائيلي على ضرورة التغيير
المعادلة التي كانت مقدسة سابقاً، "أمريكا تحمي نتنياهو"، انكسرت. اليوم هناك توافق غير معلن بين إدارة ترامب وبين أجزاء واسعة من النخب الإسرائيلية على أن نتنياهو أصبح عبئاً استراتيجياً.
أمريكا: دونالد ترامب يدخل معركة إنجاز تاريخي مع إيران. هو يريد اتفاقاً يصوره رجل سلام، ويريد هدوءاً في الجبهة الشمالية يسمح له بالتركيز على الملف النووي. نتنياهو بتصعيده المستمر وجنونه الميداني يعطي ترامب العكس تماماً. فصار نتنياهو عقبة أمام "الصفقة" التي يحلم بها ترامب، والتاجر لا يحتفظ ببضاعة تعيق تجارته.
النخب الإسرائيلية: المؤسسة العسكرية والأمنية سئمت من المغامرات التي تدمر هيبة الجيش. رجال الأعمال والهايتك يرون الاقتصاد ينهار والمستثمرين يهربون. حتى داخل حزب الليكود بدأ صوت يرتفع: نتنياهو يحرق الحزب معه. لذلك بدأ البحث عن بديل يحفظ ماء وجه إسرائيل أمام واشنطن ويوقف النزيف الداخلي.
ثانياً: فرضيات التوقيت ونهاية الحكم
مسألة ذهاب نتنياهو لم تعد مسألة "إذا" بل مسألة "متى". والتوقيت محكوم بثلاثة "تيكات" زمنية تعمل ضده:
1. تيك ترامب: شهران إلى ثلاثة أشهر
ترامب مستعجل على إنجاز مع إيران قبل نهاية الصيف. كل يوم تصعيد يقوم به نتنياهو هو يوم تأخير للصورة التي يريدها ترامب. فصبر الرئيس الأمريكي محدود، وأول ما يشعر أن نتنياهو سيخرب عليه الاتفاق، سيتخلى عنه فوراً.
2. تيك الميدان: شهر واحد قد يكفي
المقاومة تمسك بزناد التغيير. ضربة واحدة قاسية ومؤلمة ترد على تصعيد أحمق، وتكسر هيبة الجيش، تكفي لتغيير المعادلة. عندها ستكون "صورة الجنازات" في إسرائيل أقوى من خطابات نتنياهو، وسيجد ترامب مبرراً كافياً لإسقاطه.
3. تيك الداخل: الغليان مستمر
المظاهرات لم تتوقف، وأهالي الأسرى يصرخون، والمستوطنون في الشمال يرفضون العودة. نتنياهو يخسر شعبيته كل يوم. والنخب لن تنتظر حتى تصل شعبيته إلى الصفر، بل ستسارع لتغييره قبل أن يسقط الليكود معه في الانتخابات.
السيناريوهات: إما نهاية سريعة خلال 3 إلى 4 أسابيع بعد "جنون ما قبل النهاية" ورد المقاومة القاسي، وإما نهاية بطيئة خلال شهرين إلى ثلاثة عبر خنق سياسي تدريجي ينتهي باستقالة قسرية أو انتخابات مبكرة يخسرها.
ثالثاً: من الخليفة المحتمل؟
الإعلام الأمريكي والإسرائيلي بدأ يجس نبض أسماء بعينها لتكون "المرحلة الانتقالية":
1. بيني غانتس: الوجه العسكري الذي تريده واشنطن لأنه يوحي بالمسؤولية والانضباط. لكنه مكروه شعبياً ويفتقر للكاريزما السياسية.
2. يائير لابيد: الوجه الليبرالي الذي يرضي الديمقراطيين في أمريكا ويعطي صورة "إسرائيل المتحضرة". لكنه ضعيف أمنياً وغير مقبول عند يمين الشارع الإسرائيلي.
3. وجه من الليكود: مثل جدعون ساعر أو شخصية جديدة بلا ملفات فساد. هذا الخيار يسمح للحزب بالبقاء في الحكم وتقديم نفسه للعالم على أنه "تغير للأفضل" مع بقاء السياسات الأساسية كما هي.
رابعاً: انعكاسات التغيير على ملفات المنطقة
رحيل نتنياهو لن يكون حدثاً إسرائيلياً داخلياً فقط، بل زلزالاً سياسياً سيلقي بظلاله على كل المنطقة:
1. ملف لبنان: ذهاب نتنياهو يعني انهيار ذريعة "لا انسحاب تحت النار". الخليفة القادم سيأتي بأمر أمريكي واضح: انسحب من النقاط المحتلة في الجنوب لتحصل إيران على اتفاقها. وهنا سينكشف الانبطاح الرسمي اللبناني الذي يلهث وراء تفاوض لن يعطيه شيئاً، بل سيفرض عليه ما تخسره إسرائيل ميدانياً.
2. ملف غزة: قد نشهد "هدنة طويلة" أو صفقة تبادل، لأن الخليفة الجديد سيحتاج إلى تهدئة الجبهات ليقدم نفسه كرجل سلام.
3. ملف إيران: هذا هو الأهم. إزاحة نتنياهو هي المفتاح الأمريكي لفتح باب التفاوض مع طهران. أمريكا تعلم أن نتنياهو هو العائق الوحيد أمام الاتفاق، لذلك إزاحته تعني اقتراباً كبيراً من صفقة جديدة.
الخلاصة: موت سياسي مؤجل ولكن حتمي
نتنياهو اليوم كرئيس شركة فاشلة، ومجلس الإدارة المكون من ترامب والنخب الإسرائيلية بدأ البحث عن مدير تنفيذي جديد. هو ما زال جالساً على الكرسي، لكن القرار اتخذ في الغرف المغلقة.
مصيره السياسي بات معلقاً بخيط رفيع، والخيط بيد ترامب وبيد المقاومة. كل تصعيد جديد يقوم به، هو مسمار إضافي في نعشه السياسي. والمنطقة كلها تقف على أعتاب مرحلة جديدة، عنوانها: ما بعد نتنياهو.